محمد جواد مغنية

397

في ظلال نهج البلاغة

وقد أشار سبحانه إلى هذا الدليل بقوله : * ( « سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الآفاقِ وفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّه الْحَقُّ ) * - 53 فصلت » . نرى أنقاض مدينة مندرسة فنقول : كانت آهلة بالأمم الماضية ، والأجيال الخالية . . وهكذا نستدل ببدائع الكون على وجود المبدع ، وبنظامه على وجود المنظم ، وإلا فمن الذي أوجد الكون وما فيه من خصائص هل أوجد نفسه بنفسه ، أو أوجدته الطبيعة الصماء ، أو الصدفة ولما ذا لا نترك نحن أمورنا للصدفة ما دام لها هذا الكون العجيب وإذن فلا بد من وجود قوة عليا مغايرة لكل ما في الكون هي التي خلقت ونظمت . وقد استدل الإمام لإثبات هذه القوة بأضعف المخلوقات ، وهي الخفافيش ، فقال : ( ومن لطائف خلقه ، وعجائب صنعه إلخ ) . . للخفاش عين تبصر وترى كغيره من الطيور والحيوانات ، ولكن عين الخفاش لا تؤدي وظيفتها إلا عند غياب الشمس ، وإذا حاولنا البحث عن التعليل والحكمة لهذا فلا نصل إلى شيء ، لأن حكمته تعالى لا تعرف الحدود . . حتى الإمام يعترف صراحة بأن ذلك من غوامض حكمه ، عز جلّ . . ولو قرأنا أو سمعنا ان طائرا لا يبصر إلا بعد ذهاب النهار - لقلنا أسطورة وخرافة لولا الحس والعيان . . وان دل هذا الفرق بين الخفاش وغيره على شيء فإنه يدل على أن وراءه قوة باعدت بين المتقاربين ، وقاربت بين المتباعدين وإلا فلا يسع العقل أن يفرق بين عين وعين : * ( « وفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وزَرْعٌ ونَخِيلٌ صِنْوانٌ وغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) * - 4 الرعد » . ( وجعل لها أجنحة من لحمها إلخ ) . . كل الطيور تطير بجناحين من ريش إلا الخفاش فإنه يطير بجناحين من لحم مرن « كالكوتشوك » فما هو السر ولما ذا لا تكون الأجنحة كلها من نوع واحد لحما أو ريشا أو هما معا وهل القصد مجرد إظهار القدرة الدالة على وجوده تعالى وعظمته . . اللَّه أعلم . . ربنا ما خلقت هذا باطلا ( تطير وولدها لاصق بها إلخ ) . . في كتاب الحيوان للجاحظ : « انها تحبل وتلد وتحيض وترضع . . ويبلغ من ضن أنثى الخفافيش بولدها ومن خوفها عليه انها تحمله تحت جناحها ، وربما قبضت عليه بفمها ، وربما أرضعته ، وهي تطير » . وفي كتاب أضواء على الأرض والفضاء : يوجد في القارة الجنوبية